Publications

من نسمّي شهيدًا؟

6 آذار 2017

لغويًّا
يدلّ المصطلح "شهيد" في اللغة العربيّة على الشخص الذي يُقتل لأجل إيمانه بالله، أو معتقده. والفعل منه هو "استَشهد". وهذا المعنى التقنيّ للفعل العربيّ، ولما يشتقّ منه، إنّما هو ترجمة إيتيمولوجيّة للجذر اللغويّ اليونانيّ "مَرتِير-". لقد ترجم العرب الفعل اليونانيّ "مَرْتِيرو" بالفعل "استشهد\أدّى الشهادة"، وترجموا الإسميْـن "مَرْتيرِيَّا" و"مَرتِيرِيون" بكلمة "شهادة\استشهاد"، والإسم "مَرْتِيسْ\مَرْتير" بلفظة "شهيد\شاهد"، بينما دخلت اللفظة اليونانيّة في اللاتينيّة واللغات المشتقّة منها.

لم يكن هذا المعنى التقنيّ لمشتقّات الجذر اليونانيّ "مَرْتِير-" معروفًا قبل العهد الجديد. نصادفه بمعناه الحرفيّ فقط في الكتابات اليونانيّة الكلاسيكيّة، وفي ترجمة العهد القديم إلى اليونانيّة المسمّاة "السبعينيّة" (القرن الثالث ق.م)، كما وفي معظم استعمالاته في العهد الجديد. والمعنى الحرفيّ للفعل "مَرْتِيرو" هو الآتي: شاهَدَ أمرًا ما، وشَهِدَ لأمرٍ ما عاينه أو سمعه أو خبِره.
وفي الكتاب المقدّس يشهد الأصفياء أيضًا لما تعلّموه بإعلان إلهيّ. وبدءًا من هوميروس، أخذت اللغة اليونانيّة تطلق تسمية "شهادة" على فعل الشهادة لأمرٍ ما، وعلى مضمونها أيضًا. وكان هسيود وسيمونيدس وثيوجنيس أوّل من أطلق تسمية "شاهد" على من يقدّم الشهادة. أريد أن أقول، إنّ الشهادة لأمر ما، بالمعنى الحرفيّ، لا تتطلّب موت الشاهد. وبالرغم من موت بعض الأفراد من أجل قضيّتهم المحقّة التي شهدوا لها، لم يُطلق عليهم مصطلح "شهيد\شهداء"، ولم يُسمّ موتُهم "شهادة"، بالمعنى التقنيّ المتعارف عليه.

لقد ظهرت استعمالات مشتقّات فعل "شهد" بالمعنى التقنيّ في الكتابات المسيحيّة المقدّسة أولاً، حيث بدأت تختصّ بمن شهد للمسيح الإله أمام محاكم المضطهدين، محتملاً العذاب والموت. ففي سفر أعمال الرسل، دُعي القدّيس استفانوس، أوّل مؤمن سُفك دمه، شهيدَ المسيح (أع 20:22)، لأنّه شهد له بجرأة أمام اليهود الذين رجموه.

وفي سفر الرؤيا، يتبلور موضوع الاستشهاد كما هو متعارف عليه اليوم. يشير السفر إلى المسيحيّين المضطهَدين الأمناء لاعترافهم بالإنجيل، شأنهم شأن معلّمهم الذي يحملون اسمه. فهو "الشاهد\الشهيد الأمين" (مَرْتِيسْ، رؤ 5:1، 14:3)، الذي شهد بما رآه وسمعه (يو 32:3)، واحتمل الصلب والدفن الثلاثيّ الأيّام لأجل شهادته، لكنّه قام منتصرًا. فأضحى الشهيد الأوّل والأعظم، ملهم جميع المؤمنين به، ومعطي إكليل الحياة لمن يبقى أمينًا حتى الموت (رؤ 10:2). فيه رأى المسيحيّون مثالَ الشهيد النموذجيّ، وأرادوا الاقتداء به (أنظر أفسافيوس، تاريخ الكنيسة 5, 1, 2).

وكان الأسقف أنتيباس واحدًا من هؤلاء المقتدين بالربّ يسوع. ولذا يُدعى مثله في سفر الرؤيا "الشاهد\الشهيد الأمين" (مَرْتِيسْ، رؤ 13:2). وتحت المذبح السماويّ تستريح نفوس كثيرين ممّن "أدّوا الشهادة"، معترفين بكلمة الله، وقُتلوا من أجل شهادتهم (رؤ9:6 ). وسيتبعهم شهود كثيرون "عتيدون أن يُقتلوا مثلهم" (رؤ 11:6).

هكذا صارت الشهادة للمسيح مرادفةً للآلام والموت من أجله. لكنّ الربّ كان رجاء هؤلاء الشهداء وناصرهم (رؤ 10:6- 11)، ولهم منه الطوبى على شهادتهم (رؤ 13:14). هؤلاء "الذين قُتلوا من أجل الشهادة ليسوع" (رؤ 4:20) هم الغالبون، ببرّ الله، لا بالسيف ولا بالقوّة. مسالمين سيقوا كحملانٍ إلى الذبح كي يُبادوا عن وجه الأرض، بيد أنّهم انتصروا على العدوّ غير الجسدانيّ الذي لا يحارَب بسلاحٍ ماديّ. اعتصموا بمخافة الله وتسبيح اسمه (رؤ 2:15 - 4) و"بكلمة شهادتهم" (رؤ 11:12) والقدير ذاته ينتقم لهم من "بابل الزانية"، "السكرى من دم القدّيسين ومن دم شهداء يسوع" (رؤ 6:17)، التي هي رمز الشرّير والأشرار الظالمين. مع هذه الآيات من سفر الرؤيا، بالإضافة إلى أعمال الرسل 20:22، انطلق المعنى التقنيّ الجديد الذي اكتسبه الجذر الثلاثيّ "شَهِدَ" مع مشتقّاته "شهيد" و"شهادة"، وفي ما بعد دخل كإرثٍ مسيحيّ في جميع الثقافات والحضارت واللغات والأديان.

التلمذة والشهادة
في القرون الأولى، كان الإيمان بالربّ يسوع كافيًا كي يضع المؤمنَ أمام احتمال الاستشهاد من أجله. ومع ذلك لم يجزع شهود المسيح لا من الألم ولا من المنون. فقد كان إيمانهم واستعدادهم للموت نابعين من قرارهم الانتماء إلى المسيح يسوع بالمعموديّة. فالذي يلبس المسيح هو من صلب الجسد مع الشهوات والأهواء (غل 24:5)، وهو الذي يتألّم معه بالموت عن الجسدانيّات الخاطئة، كي يتمجّد معه في الروحيّات الباقية (رو 17:8).

أنت لا تنتمي إلى الربّ يسوع المسيح القدّوس إلا عبر خبرة موت؛ الموت عن الخطيئة قبل أيّ شيء آخر، ثمّ، إن تطلّب الأمر، الموت قتلاً من أجله. فإن كانت معموديّة الماء تُتحدنا مع المسيح، فكم بالأولى معموديّة الدمّاء،الشهادة المختومة بالدمّ التي تُتحد الشهداء بدم الخروف الغالب (رؤ 11:12)، فينتصرون. في كلتي الحالتين شهادة، والتلمذة للمسيح لا تكون إلا بها.

لقد أضحت الشهادة للمسيح المختومة بالدّم البرهان الملموس للإيمان الحقيقيّ به، لا بل نموذج الإيمان الأصفى. فقد كانت عذابات الشهداء تهذّب نفوس إخوتهم، وتشدّد عزيمتهم على احتمال كلّ الصعوبات التي يتطلّبها اتِّباع المعلّم، سواء أكانت روحيّة أم جسديّة. لهذا يُصرّح لنا تلاميذ القدّيس بوليكاربوس، أسقف سميرنا، كاتبو خبر استشهاده، أنّهم وثّقوا الشدائد التي تكبّدها "لكي يحتفلوا بميلاد شهادته تذكارًا لأولئك الذين جاهدوا في الميدان، ولتدريب وتحضير الذين سيسيرون على خطاه في المستقبل" (استشهاد بوليكاربوس 3:18). الشهيد هو المتألّم من أجل الحقّ، لا الظالم زارع الرعب والقهر.

الارشمندريت يعقوب خليل
معهد القديس يوحنّا الدمشقيّ اللاهوتي
جامعة البلمند