Speeches

تأسيس كنيسة أنطاكيا العظمى

تأسيس كنيسة أنطاكيا العظمى (أعمال الرسل ١١: ١٩-٣٠)

نقرأ هذا الأحد من سفر أعمال الرسل عن تأسيس كنيسة أنطاكيا، عاصمة المقاطعة السوريّة والمدينة الثالثة عالميًّا، وعن تحوّلها إلى مركزٍ للكرازة بالمسيح يسوع إلى جميع الأمم. وإنّنا نجد في هذا المقطع معلومات تاريخيّة ثمينة جدًّا عن تلك الفترة:

أولاً، لقد أسّس الجماعة المسيحيّة في أنطاكيا اليهود الهلينستيّون من أهل الشتات، من قبرص وكيرينيا، الذين لجأوا إلى أنطاكيا بسبب من اضطهاد اليهود للرسل والجماعة الأولى، وبدأوا بمخاطبة اليونانيّين مبشّرين إياهم بالمسيح.

ثانيًا، إنّه ومن أجل تمتين الجماعة الحديثة في أنطاكيا، بعث الرسل ببرنابا القبرصيّ من أورشليم، فقاد الجماعة بوعظه وإرشاده بالروح القدس العامل فيه وبإيمانه القويّ. لقد شكّل عمل الرسول برنابا المرحلة الثانية من تبشير العاصمة السوريّة العظمى.

ثالثًا، لقد استطاع برنابا أن يُقنع بولسَ بالمجيء إلى أنطاكيا والانضمام إليه، حيث أمضيا سنةً كاملةً في العمل التبشيريّ.

رابعًا، في أنطاكيا دُعي التلاميذ لأوّل مرّة “مسيحيّين”.

ويحرص لوقا الإنجيلي على التأكيد بأنّ نجاح البشارة يعود إلى يد الربّ التي كانت مع التلاميذ المبشّرين.

بينما قام يهود الشتات بتبشير الأمميّين، انحصر نشاط اليهود الأورشليميّين بتبشير اليهود من أهل فينيقيا وقبرص وأنطاكيا. وهذه المعلومة عن تبشير المدن الفينيقيّة، أي ساحل مقاطعة سوريّا الوسطى الممتدّ من عكّا جنوبًا ولغاية النهر الكبير شمالاً، تطلعنا على تأسيس جماعة مسيحيّة في عكّا وصور وصيدا، استكمالاً لنشاط الربّ يسوع التبشيريّ فيها، كما توضح المعلومة عن وجود إخوة كثيرين في هذه المدن حين زارها الرسول بولس في ما بعد، إمّا لوحده أو مع برنابا الرسول (أع ١٥: ٣؛ ٢١: ٣-٤. ٧؛ ٢٧: ٣).

هل نعرف أسماء الذين بشّروا أوّلاً أمميّي أنطاكيا؟ لا يخبرنا هذا السرد عنهم، لكن يذكر الإنجيلي لوقا من بين أسماء قادة الكنيسة في أنطاكيا اسم لوكيوس الكيرينيّ (أع ١٣: ١). ولعلّ نجاح عمل لوكيوس البشاريّ في أنطاكيا منذ البداية وموهبة التعليم التي تميّز بها أهّلاه للجلوس بين طغمة الأنبياء والمعلّمين فيها. وربّما كان سمعان الذي يُدعى نيجر (أي الأسود) هو أيضًا كيرينيًّا.

ثمّ ينتقل السرد إلى إخبارنا عن المرحلة الثالثة من تبشير أنطاكيا. توجّه برنابا إلى طرسوس باحثًا عن شاول هناك، وهو كان من قرّبه قبل ذلك من الرسل والإخوة في أورشليم (أع ٩: ٢٧)، بعد أن رأى الربّ وكلّمه وآمن به واعتمد. أتى برنابا بشاول إلى أنطاكيا لكي يعملا معًا، انسجامًا مع وصيّة الربّ الذي لم يُردّ التفرّد بالعمل، بل دعا تلاميذه للذهاب اثنين اثنين، لأنّه يُسر بالذين يخدمونه بقلب واحد وفكر واحد. وحين افترق برنابا عن بولس، لم يكملا سعيهما منفردين، بل أخذ كلّ منهما رفيقًا آخر في مسيرة البشارة (أع ١٥: ٣٨-٤٠).

لا شكّ بأنّ سنة عمل الرسولين برنابا وبولس في أنطاكيا كانت بمثابة سنة النعمة التي حلّت على هذه المدينة. فهذان علّما جمعًا غفيرًا فيها، وبنتيجة عملهما دُعي مؤمنو أنطاكيا “مسيحيّين”. لقد صار لمؤمني أنطاكيا شرف حمل اسم المسيح أوّلاً، وعلى منوالهم دُعي في ما بعد جميع المؤمنين المتأسّسين على كرازة الرسل وتعليمهم “مسيحيّين”، دلالةً على انتمائهم إلى الربّ يسوع المسيح إلهنا العظيم ومخلّصنا. مسيحيٌّ هو من أحب يسوع، لا في الكلام، بل بالعمل، هو من غُرس مع الربّ يسوع في موت مشابه لموته ليقوم معه ويحيا له إلى الأبد.

صلاتنا في هذا اليوم ونحن نفرح بسماع سرد الرسول لوقا في سفر أعمال الرسل، عن مجيء الإنجيل إلى أرضنا وشعبنا، أن يحفظ الرب الإله مسيحيّي أنطاكيا الرسوليّين من جميع الأخطار والشدائد، ولا سيّما من الذئاب الخاطفة التي لا تُشفق عليهم في محنتهم. لتكن يد الربّ يسوع دائمًا مع من حملوا اسمه أوّلا، لكي يثبتوا فيه ويحيَوا له فقط، ويستمرّوا بمخاطبة الشعوب بخلاصه إلى أن يأتي.

لنتعلّم أيّها الإخوة من هذا السرد، أن نبشّر ونعلّم بغيرة مقدّسة ونشاط، متكّلين على قدرة يمين الربّ. لنقم بعمل الربّ الذي دعانا إليه، من غير أن نهاب الصعاب والمشقّات. لم يكن المجتمع في أيّام الرسل مهادنًا للبشارة أكثر من أيامنا هذه. لنعمل كلّنا معًا بيد واحدة وقلب واحد وفكر واحد، لكي نسرّ الله، فتكون خدمتنا مقبولة أمامه. يتوجّب علينا أن نسائل أنفسنا عن سبب عدم تكاثر المؤمنين بوتيرة ثابتة، لا بل أقلّه عن سبب تغيّب مؤمنين كثر عن العبادة. أليس الروح القدس الذي عمل في الرسل القدّيسين هو عينه يعمل اليوم في الذين يخدمون إنجيل المسيح؟ بلى! أخشى أن غيرتنا قد ضعفت وأمانتنا أيضًا. لنقم بمراجعة ذاتيّة وجماعيّة تشمل جميع أوجه حياتنا في الكنيسة كمسيحيّين حقيقيّين، قبل فوات الأوان.  

الأرشمندريت يعقوب خليـل

معهد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ اللاهوتيّ

يوسف الراميّ

 

يوسفُ الراميّ 

 

تتّفق الأناجيل الأربعة الشريفة على أنّ الربّ يسوع قد حصل على دفنٍ مميّز في مكان معروف يسهل تذكّره. وكان اليهود يحرصون على دفن الأموات في اليوم ذاته وقبل غروب الشمس، بمن فيهم المحكومون بالموت على الصليب، كما يخبرنا يوسيفوس المؤرّخ.

لكن يبقى السؤال عن كيفيّة دفن المحكوم بالموت والمصلوب على يد الرومان. 

طلب يوسفُ الراميّ جسدَ يسوع من بيلاطس الذي حكم عليه بالصلب لأنّه ملك اليهود. بينما وجد المجمع اليهوديّ يسوع مذنبًا بتهمة التجديف ومستحقًا الموت، وهذا كان يستتبع دفن المحكوم في الظلمة ومن دون كرامة، كما يكتب يوسيفوس المؤرّخ. 

كان يوسف مدركًا ضرورة الإسراع في دفن الربّ يسوع قبل غروب الشمس، وأوّل ما يحفزه على الإسراع كان تجنّب إثارة غضب اليهود، لأنّ اليوم التالي كان سبتًا عظيمًا. وربّما للسبب عينه سهّل الحاكم الرومانيّ تسليم الجسد ليوسف.

ويعلمنا الإنجيلي مرقس أنّ يوسف كان مشيرًا شريفًا، أي عضوًا في المجمع اليهوديّ الذي حكم على الربّ يسوع، وكان “هو أيضًا” ينتظر ملكوت الله على غرار الرسل الإثنيّ عشر. وهذا ما يؤكّده الإنجيلي متّى إذ يقول صراحةً إنّ يوسف “كان تلميذًا ليسوع” (مت ٢٧: ٥٧). 

تحلّى يوسف الراميّ بشجاعة كبيرة ليطلب الجسد من بيلاطس. ولعلّ بيلاطس وافق على تسليم جسد يسوع لأنّ يوسفَ كان عضوًا مرموقًا في المجمع، ولئلّا يبقى الجسد معلّقًا إلى يوم العيد الكبير، ما قد يؤجّج غضب اليهود.

اشترى يوسف كتّانًا خصّيصًا لدفن السيّد بالرغم من أن عشيّة السبت كانت تداهمهم. لم يأخذ أي قطعة قماش موجودة عنده، لأنّه أراد أن يكون للسيّد دفنٌ مكرّم. لم يكن الربّ يسوع مجرمًا في عيني يوسف لكي يُدفن كالمجرمين من دون كرامة. ولم يجزع يوسف من لمس الجسد الميت الذي ينجّس من يلمسه (راجع عد ١٩: ١١)، بل أنزل بنفسه جسد يسوع عن الخشبة، ولفّه بالكتّان (مع الطيوب بحسب يو ١٩: ٤٠)، كما هي عادة اليهود أن يدفنوا موتاهم بإكرام. 

ثمّ وضع يوسف الجسد في قبر جديد ودحرج حجرًا على باب القبر. هناك ذِكْرٌ للحجر في كلّ من الأناجيل الأربعة، وتحدّد الأناجيل الإزائيّة الثلاثة أنّ الحجر قد دُحرج على باب القبر. نستنتج من ذلك أن القبر كان محفورًا أفقيًّا في الصخر، وأنّه كان متقنًا لا عاديًّا، لأنّ القبور العاديّة كانت تغلق بصخرة توضع على بابها، بينما كانت تغلق قبور الأغنياء المتقنة بحجر كبير على شكل عجلة تُدحرَج لإغلاق باب القبر.

كيف كان شكل قبر الربّ يسوع من الداخل؟ هل كان حفرة في الصخرة يتمّ إدخال الجسد فيها كاملاً بدءًا من الرأس، كما كانت قبور عامّة الناس؟ أم كان غرفة في وسطها حجر مسطح أو رفّ أفقيّ محفور في الحائط يُمدّد عليه الجسد، كما كانت قبور الميسورين؟

لا يُخبرنا أيّ سرد إنجيليّ عن نمط البناء المدافنيّ الذي وُضع فيه جسد السيّد، لكنّ قصّة النسوة اللواتي أتين القبر في مر ١٦: ٥ تفترض قبرًا مؤلّفًا من غرفة، فيها ما يشبه منصّة حجريّة مسطّحة مرتفعة عن الأرض أو رف أفقيّ. والآية يو ٢٠: ١٢ تفترض أنّ جسد يسوع قد مُدّد على منصّة أو رفّ أُفقيّ، لأنّ ملاكين كانا جالسين مكان الرأس وعند القدمين. وتجدر الإشارة إلى أن دراسة قبر المسيح في كنيسة القيامة تدلّ على أنّه كان رفًّا أفقيًّا محفورًا بشكل منمّق في حائط غرفة القبر.

جميع هذه المعلومات المستمدّة من السرد الإنجيليّ ومن الأدلّة الأركيولوجيّة تؤكّد أنّ الربّ يسوع لم يُدفن في مقابر عامّة مخصّصة للمحكومين بالإعدام، بل في قبر رجل غنيّ أحبّه جدًّا. إنّه يوسف الراميّ الذي قدّم قبره الخاص القريب من المدينة المقدّسة لأنّه أراد إكرام من له سلطان الحلّ والربط في ملكوت السموات المنشود، الربَّ يسوع المسيح ابن الله المصلوب من أجل خطايانا والناهض من القبر من أجل تبريرنا.

الأرشمندريت يعقوب خليـل

 

القدّيس الرسول يعقوب أخو الربّ

 

القدّيس الرسول يعقوب أخو الربّ 
 
يعقوب أخو الربّ وجه بارز في العصر الرسوليّ، دُعي "يعقوب البارّ" و"يعقوب أخا الربّ". أُقيم أسقفًا على أورشليم بعد صعود الربّ يسوع إلى السماء، فقاد الكنيسة مدّة ٣٠ عامًا. ثمّة اعتقاد بأنّه هو نفسه يعقوب بن حلفى أحد الرسل الإثنيّ عشر. يكتب القدّيس هيبّوليتس في مؤلّفيه الصغيرين، ولكن المهمّين جدًّا، أنّه "عندما كان يعقوب بن حلفى يبشّر في أورشليم رجمه اليهود ودفنوه في مكان قريب من الهيكل". ونحن نعلم أنّ اليهود رجموا أيضًا، حتّى الموت، يعقوب أخا الربّ، ما يقوّي الاعتقاد بأنّ أخا الربّ هو ابن حلفى. فيكون من المرجّح إذًا أنّ يعقوب هو ابن مريم أخت مريم والدة الإله (أي نسيبتها)، وزوجة كليوبا، واحدة من حاملات الطيب اللواتي أتين قبر السيّد سحر أحد القيامة. وهذا رأي القدّيس بابيّاس الرسوليّ أسقف إيرابوليس، الذي كتب عن مريم أخت مريم العذراء أنّها "مريم زوجة كليوبا أو حلفى، وكانت أمّ يعقوب الأسقف والرسول، وسمعان وتدّاوس، ويوسي". وفي الإنجيل بحسب مرقس، كما في الإنجيل بحسب متّى أيضًا، يُذكر يعقوب كأخٍ للربّ: "أوليس هذا هو النجّار، ابن مريم، أخا يعقوب ويوسي ويهوذا وسمعان؟ أليست أخواته هنا عندنا؟".
 
يظهر الدور المهمّ والاحترام الكبير الذي حظي به الرسول يعقوب أخو الربّ في الجماعة الأولى ممّا نقرأه في رسائل القدّيس بولس ومن سفر أعمال الرسل. يخبرنا الرسول بولس، في رسالته إلى أهل غلاطية، أنّه، عندما صعد إلى أورشليم للمرّة الأولى بعد اهتدائه، حرص على زيارة الرسول 
 
بطرس والرسول يعقوب أخي الربّ (غل ١: ١٩) الذي كان يُعتبر أحد الأعمدة بين الرسل (غل ٢: ٩). كما يطلعنا رسول الأمم على أنّ الربّ ظهر، بعد قيامته، ليعقوب (١كور ١٥: ٧). وكانت للرسول يعقوب أخي الربّ الكلمة الفصل في مجمع الرسل في أورشليم (أع ١٥: ١٩). فهو الذي ”حكم” بين الرسول بولس وبين الذين حاربوه رافضين انضمام الشعوب كلّها إلى المسيحيّة من دون حفظ الناموس الموسويّ، أي من دون التهوّد. فنصّ الرسل قرار مجمعهم حرفيًّا كما حكم يعقوب بالأمر.
 
وقد خصّص يوسيفوس المؤرّخ اليهوديّ (٣٧ -١٠٠م) مقطعًا في مؤلّفه الثاني "تاريخ اليهود" (حوالى ٩٠ م.) عن استشهاد يعقوب أخي الربّ. يخبرنا فيه أنّ “أخا يسوع، الذي يُدعى المسيح، واسمه يعقوب” قُتل بعد موت الوالي بوركيوس فستوس وقبل استلام الوالي لوسيوس ألبينوس مهمامّه، أي في العام ٦٢ م. لقد انتهز رئيس الكهنة حنّان بن حنّان غياب المراقبة الرومانيّة لكي يدعو المجمع اليهوديّ إلى الانعقاد، ويحكموا على يعقوب بتهمة “مخالفة الناموس”. فأعدموه رجمًا بعد ذلك ودفنوه في موضع استشهاده. ويقول يوسيفوس إنّ عمل حنّان هذا ظهر كجريمة قضائيّة وأثار حفيظة عدد كبير من الوجهاء المعتدلين في المدينة، والمحافظين في تمسّكهم بالناموس. فقابل هؤلاء الوالي الجديد وطلبوا منه الحكم في هذه المسألة. وبنتيجة هذا اللقاء استبدل الملك أغريبّا رئيسَ الكهنة حنّان بيشوع بن دمناوس. كما اعتبر يوسيفوس المؤرّخ أنّ حصار أورشليم وسقوطها كانا عقابًا من الله على قتل يعقوب البارّ.
 
في تاريخ الكنيسة لأفسافيوس القيصريّ، يرد مقطعٌ من عمل هيغيسيبوس المؤرّخ المسيحيّ من القرن الثاني الميلاديّ، يتحدّث فيه عن يعقوب أخي الربّ. فيه يطلعنا على أنّه دُعي دائمًا "البارّ" من أيّام الربّ يسوع، وأنّه لم يشرب الخمر في حياته ولا أيّ شراب مُسكر، ولم يحلق شعر رأسه ولم يدهنه بالزيت، وأنّه لم يكن يستحمّ البتّة… كان يسجد على ركبتيه ضارعًا إلى الله من أجل غفران خطايا الشعب، حتّى أصبح جلد ركبتيه قاسيًا كالجلد على ركبتَي الجمل.
 
تُنْسَب إلى الرسول يعقوب أخي الربّ الرسالة التي تحمل اسمه. كما تنسب إليه أقدم ليتورجيا إلهيّة، وهي تحمل اسمه أيضًا.
 
تعيّد له الكنيسة في هذا اليوم الذي هو الثالث والعشرون من شهر تشرين الأوّل، وفي السادس والعشرين من شهر كانون الأوّل، وفي الأحد الذي بعد عيد الميلاد مع داود الملك والبارّ يوسف الخطيب.
 
يبقى الرسول يعقوب أخو الربّ مثال الرسول والأسقف البارّ في كلّ زمان ومكان، وفخر الشهداء وجمالهم. فبشفاعته اللهمّ ارحمنا وخلّصنا، آمين.

الأرشمندريت يعقوب
رئيس دير سيدة البلمند البطريركيّ