Speeches

لقد افتُديتم بثمنٍ كريم

 

لقد افتديتم بثمنٍ كريم

تأمّل في الإصحاح الأوّل من رسالة القدّيس بطرس الأولى 

 

في رسالة القدّيس بطرس الأولى يتداخل التعليم اللاهوتيّ الخلاصيّ مع التوجيه الأخلاقيّ بشكل وثيق العرى. يتحدّث القدّيس بطرس عن الخلاص بموت المسيح الحملِ الفصحيّ وقيامته، وذلك من زوايا عدّة، مسلّطًا الضوء من ثمّ على سلوك المؤمنين. 

يتوجّه الرسول بطرس إلى المؤمنين بالقول: “افْتُدِيتُم لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَسَلمْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ”. وما يقصده الرسول بقوله “افتُديتم” (فدى، أعتق)، وهو فعل استُعمل أوّلاً في وصف حدث الخروج من مصر، هو انعتاق الإنسان من الخطيئة التي تبعده عن نعمة الله وعن الحياة، وتسبب له الموت الأبديّ. ويتابع بأنّ فداءهم تحقّق “بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ”. ففي العهد القديم كان دم الذبيحة يُنضح على المذبح وخيمة الاجتماع ورئيس الكهنة (خر ٢٩: ٢١، عد ١٩: ٤) لأن له قدرة تطهيريّة ويغفر الخطايا. لم تنعتقوا بأشياء تفنى، فضّة أو ذهب أو سواها، كما سبق إشعياء النبيّ (٥٢: ٣) وقال: “مجانًا تمّ بيعكم، ومن دون فضّة تُـفدوْن”. هكذا شبّه الرسل القدّيسون خبرة الانعتاق من الخطيئة والتحرّر من نطاق العداوة مع الله بخبرة خروج الشعب الإسرائيليّ من العبوديّة في مصر.

صار الفداء الأزليّ الكامل بدم المسيح على الصليب. فهو حمل الله الذي لا عيب فيه، الرافع خطيئة العالم. وهذا تعبير مجازيّ من لغَة ذبائح العهد القديم، وعلى الأخصّ ذبيحة الفصح. أرسل الآب ابنه الحبيب القدّوس لكي ينتصر ذاك كإنسانٍ على الخطيئة، لكي ينتصر بالمحبّة، ويصير مثالاً لكلّ البشر المؤمنين به، فاتحًا لنا طريق الانتصار. صار الكلمة القدّوس إنسانًا لكي نصير نحن البشر قدّيسين، بالاقتداء به. لقد فهم الرسل وصيّة المسيح الذي دعاهم إلى أن يحبّوا بعضهم بعضًا، ولكن فقط على الصليب أدركوا ما معنى “كما أنا أحببتكم”.

لقد سُرّ الله أن يُظهر محبّته للبشر بتدبيره خلاصًا عظيمًا كهذا، وقصده الأزليّ الذي “قبل إنشاء العالم” هو أن يكون كلمته الأزليّ كفّارةً لخطايا كثيرين، ويشفيهم من الميل إلى الخطيئة فلا يهلكوا. يؤكّد القدّيس بطرس على أنّ هذا السرّ كان معروفًا مسبقًا لدى الله “قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَالَمِ، وَلكِنْ قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ أَجْلِكُمْ”. لا شكّ بأنّ هذا ما تعلَّمه الرسلُ من السيّد، لأنّنا نجد أصداءً للتعليم عينه في رسائل القدّيس بولس وفي سفر الرؤيا. ألم يكن الربّ يسوع يُعلّم وهو لا يزال في الجليل “قَائِلاً: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي أَيْدِي أُنَاسٍ خُطَاةٍ، وَيُصْلَبَ، وَفِي  الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ”؟ ومن هو الذي قضى بهذا الأمر سوى الله القادر على كلّ شيء؟ ألم يقل ربنا وإلهنا في خطابه الوداعيّ وصلاته الأخيرة قبل آلامه، له المجد، “لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ” (يو ١٢: ٢٧)، مظهرًا لنا أن هدف تجسده هو ساعة موته، لا بل ساعة تمجّده على الصليب. لذا يقول لنا الرسول صديق المسيح إنّ ما بشّر به الأنبياء في العهد القديم كان من أسرار الله التي “ تَشْتَهِي الْمَلاَئِكَةُ أَنْ تَطَّلِعَ عَلَيْهَا”، ولكنّنا نحن قد أُخبرنا بها بواسطة المبشّرين بالروح القدس عينه.

“افتديتم بدمٍ ثمينٍ، كما من حمل لا عيب فيه ولا دنس، دم المسيح”. النعت الأوّل للحمل في هذه الجملة هو أنّه “لا عيب فيه”، ما يشير إلى غياب أي نقيصة كانت تحول دون تقديم الحمل كذبيحة بحسب الناموس الموسويّ (لاو ٢٢: ١٧-٢٥، خر ٢٩: ١، ٤٣: ٢٢). وفي السياق هذا إشارةٌ إلى براءة الربّ يسوع من أيّ خطيئة، هو الحمل البريء من العيب الذي مات من أجلنا كذبيحة خطيئة، ذبيحة من أجل غفران الخطايا. وبه هو وحده خلاص النفوس، الخلاص “الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِكُمْ”، بروح المسيح الذي “سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا”. ليست الأمجاد التي يصير الحديث عنها سوى القيامة المجيدة وغلبة الموت، والصعود إلى السموات، والجلوس بالجسد القائم على العرش الإلهيّ.

“وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ”، فبالرغم من أنّنا لم نرَ المسيح نحبّه، لأنّنا نؤمن به وإن كنّا لا نراه. لا بل “نبتهج به” بالرغم من التجارب الشديدة التي تسبّب لنا الأحزان. فالثبات في التجارب على الإيمان الذي أعلنه لنا الرسل، وحفظته الكنيسة على مدى الأجيال، هو علامة النجاح في حياتنا المسيحيّة (هذا معنى “تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ”). لا يُقارَن هذا النجاح بأغلى الذهب الفاني. وكما الفاني “يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ” لكي تثبّت قيمته، كذلك يُمتحن إيماننا بالتجارب المتنوّعة لكي يكون “لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ”، “فَتَنالُونَ غَايَةَ إِيمَانِكُمْ، خَلاَصَ النُّفُوسِ”. كلّما ازدادت شدائد المؤمن ومحنه ازداد افتخاره بالربّ مخلّص المتوكّلين عليه، فمع الصليب يسطع نور قياميّ لا يُحارب.

يهدف كلّ تعليم عن الخلاص إلى بناء المؤمنين، لأنّ خلاصهم لا يكتمل إلا إذا خُتمت حياتهم بروح الابن، وصاروا مشابهين للمسيح في الفكر والسيرة. لذا يكمّل الرسول بطرس كلامه على التديبر الخلاصيّ بتوصية المؤمنين ويردف قائلاً:

 “لِذلِكَ مَنْطِقُوا أَحْقَاءَ ذِهْنِكُمْ صَاحِينَ، فَأَلْقُوا رَجَاءَكُمْ بِالتَّمَامِ عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا إِلَيْكُمْ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

 كَأَبنَاء الطَّاعَةِ، لاَ تُشَاكِلُوا شَهَوَاتِكُمُ السَّابِقَةَ فِي جَهَالَتِكُمْ، بَلْ نَظِيرَ الْقُدُّوسِ الَّذِي دَعَاكُمْ، كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا قِدِّيسِينَ فِي كُلِّ سِيرَةٍ.

 لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «كُونُوا قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ».

يلفت انتباهنا تذكيره المؤمنين بأنّهم “أَبنَاءُ الطَاعَة”. ويكتسب الأمر أهميّة إذ ذكر الرسولُ في بداية الإصحاح “طاعة المسيح ورشّ دمه”. تتحدّث كُتب أُخرى في العهد الجديد عن طاعة المسيح بتجسده وموته. فعلى مثال المسيح نتعلّم الطاعة، وذلك في السلوك بحسب مشيئة الله، وبحسب دعوته. “هكذا أحب الله العالم حتى إنّه بذل ابنه لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة”، والابن “صار طائعًا حتى الموت”. ويكتمل خلاص المؤمنين عندما يطيعون الذي دعاهم إلى القداسة وإلى ملكوته، في سلوكهم في محبّة الله من كلّ القلب ومحبّة القريب حبًّا شديدًا كحبّ الذات. وانطلاقًا من وصيّة المخلّص الفادي الذي أحبّنا حتى الصليب وقام منتصرًا، يُناشد القدّيس بطرس المسيحيّين: 

 “طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ.”

المسيح قام! حقاً قام! 

فلتكن سيرته الطاهرة وقيامته الظافرة مثالاً يقتديه كلّ منّا ليتقدّس "نظير القدوس الذي دعانا”، ويصير مشابهًا لصورة ابن الله، البكر بين إخوةٍ كثيرين. 

الأرشمندريت يعقوب